الإيديولوجية
الإيديولوجية مفهوم جديد نسبيا فقبل عصر التنوير في فرنسا ( العصر الذي سبق الثورة الفرنسية ) كانت السياسة تفهم على أنها نوع من النشاط و الفعالية و التجربة الخاصة المتروكة للأشخاص الذين يدعوهم الملك لتسلم أعمال معينة وإدارة دفة الأمور.في عام 1960 صدر في لندن كتاب يحمل عنوان حول الحكم المدني للفيلسوف الإنجليزي جون لوك الذي كان العدو اللدود لنظام الحكم الفردي المطلق و لنظرية الحق الإلهي وقد عبر الفيلسوف لوك بهذا عن أزمة الضمير الأوروبي في تلك الفترة و في هذا الكتاب يضع جون لوك اتجاها عقائديا سياسيا نقديا هو انعكاس للاديولوجية الفلسفية القائمة على النزعة التجريبية التي رسمها في كتابه حول الفهم البشري .
إن فلسفة التنوير التي تتلخص في خمس كلمات هي :
● الفرد ● العقل ● الطبيعة ● السعادة ● التطور .
وقد كانت بدورها أكثر من مجرد فلسفة بالمعنى التقليدي للكلمة فهي لم تكن تتوخى الحقيقة المجردة و البحث النظري المحض بل كانت أقرب إلى الاتجاه الإيديولوجي العام الذي يطمح إلى تبديل السلوك البشري و تغييره في مجالات متعددة و متنوعة. لقد كان مونتسكيو المفكر الفرنسي صاحب كتاب روح القوانين و روسو مؤلف كتاب العقد الاجتماعي واضعي ركائز الاتجاه الإيديولوجي الذي أكد على فكرة سيادة الشعب كما كانت شعارات الثورة الفرنسية " حرية ، مساواة ، أخوة " بذورا للاتجاهات العقائدية التي برزت في القرن الثامن عشر . أما كلمة إيديولوجية فينسب استعمالها إلى نابليون وكانت تعني في ذلك الحين الاتجاه النظري البعيد عن الواقعية وهو اتجاه كان ينظر إليه نابليون نظرة استخفاف و استهانة إلا أن مفهوم الإيديولوجية بدأ يتحدد و يتوضح و يستقل نسبيا في القرن العشرين عن المفاهيم الفلسفية المجردة و عن التصورات الدينية و يأخذ شكل تصورات اجتماعية تستوعب حركة التطور و تؤثر فيها عن طريق التنظيمات السياسية التي تحمل لوائها.
إن معجم القرن العشرين الذي صدر عام 1931 يعرف الإيديولوجية بأنها منظومة من الأفكار تتبلور على شكل عقيدة سياسية أو اجتماعية تقوم عليها سياسة حكومة ما أو حزب معين و معجم لا لاند الطبعة السادسة عام 1958 يشير إلى المعنى الماركسي لكلمة الإيديولوجية فهي التفكير المعبر عن المصالح الحيوية لطبقة اجتماعية معينة.
وفي الموسوعة الكبرى السوفييتية يأتي تعريف الماركسية اللينينية بأنها العلم الذي يدرس قوانين التطور في مجالي الطبيعة و المجتمع وهي الإيديولوجية الكاملة المنسجمة للطبقة العاملة و الأحزاب العمالية الشيوعية في جميع البلدان .
وفي كتاب الإيديولوجيات الأفريقية الراهنة لتوماس الذي صدر في باريس عام 1965 نقرأ أكثر التعاريف تركيزا هنا :
أولا : التعريف الموسع؛ منظومة من الأفكار الخاصة برهط إجتماعي تعكس مراكز اهتمام هذا الرهط و مصالحه .
ثانيا : التعريف الضيق؛ منظومة من الأفكار الموجهة للعمل تعكس تصورا للواقع ودافعا محركا لتغييره و تبديله.
ثالثا : التعريف التهكمي ؛ وهي البدعة التي يولدها خيال أسطوري متأخر كثيرا عن الواقع أو متقدم عليه. وهذا التعريف لكارل ماكس.
و على ضوء ذلك يتبين أن الإيديولوجية منظومة من الأفكار تهدف إلى غاية عملية فهي مجموعة من الأفكار عن العالم و عن الحياة و عن المجتمع تصلح قاعدة لعمل جماعي لذلك فهي بعيدة عن خصائص التفكير الشخصي وعن مطاطيته و مرونته لانها أقرب لأن تكون برنامج عمل . إنها تختلف عن الفلسفة بمقدار ما يختلف العلم التطبيقي عن العلم المحض . إنها تتناول بالدرجة الأولى السياسة و الاجتماع الا أنها لا تكتفي بهما و على هذا الأساس يمكن أن نميز بين ايديولوجيات جزئية و أخرى كلية .بين ايديولوجيات دينية و قومية فاشية، و ديمقراطية و برجوازية و اشتراكية و تحررية و شيوعية و فوضوية ... الخ .
و الحقيقة أن مفهوم الإيديولوجية كمصطلح، إنما مهد لظهور مفهوم الحزب بالمعنى الحديث للكلمة. فمع مطلع القرن التاسع تبلور مفهوم الاديولوجية، وفي منتصف القرن التاسع عشر بدأت مرحلة تكوين الأحزاب الإيديولوجية التي تعتبر هذا الوسيط بين الدين والدولة والفلسفة و العلم ، من موجهة، و وبين المجتمع، من جهة أخرى، أي أنها ( الاديولوجية ) أصبحت شرطا اجتماعيا لأية نهضة . لأنها تساعد على ضبط الصورة الكلية للواقع الاجتماعي و على التحديد مكان السياق الخاص و المرحلي للتطور داخل المجتمع، من مسيرة البشرية والحياة الإنسانية ككل.
وقد طرأ على مفهوم الإيديولوجية تحولات، يشير مانهايم في الإيديولوجية والطوباوية إلى جانب منها عندما يشير إلى التحول من المرحلة الجزئية إلى المرحلة الكلية ، أي إلى النظرة الشاملة إلى الكون . وعندما يعتبرها قد أصبحت موضوعا لفرع جديد من العلم هو سوسيولوجيا المعرفة.
ذلك أن المفكر الماركسي إستطاع خلال القرن التاسع عشر أن ينقل مفهوم الاديولوجية من إطاره الطوباوي إلى إطار العلمي .
ثم جاءت تجارب العالم الثالث و الإيديولوجيات التي جاءت نتيجة لمعاناة فكرية نضالية في أكثر مناطق العالم تعرضا للظلم و فيا أشد مجتمعاته تمزقا وتخلفا و أعظم بيئاته ثورية ... جاءت لتعطي مفهوم الإيديولوجية محتوى أعمق ثورية و أكثر واقعية و أصدق إنسانية . ولم تعد الاديولوجية أفكارا مسبقة تشكل عالما مناطق التصورات المغلقة ، بل أصبحت صيغة جدلية لوحدة الفكر و الممارسة والأدعية ثمرة للمعاناة النضالية، الفكرية و العملية.

تعليقات
إرسال تعليق