هناك مشكلة على صعيد التصورات لدى الشباب المتدين بالعموم ؛ خاصة التدين الناتج عن الشحن العاطفي الذي مارسه التيار الوعظي وتراكمت آثاره السلبية دفعة واحدة في العقود الأخيرة .
أبرز هذه المشاكل هو التصوّر المستبطن لدى الأغلبية منهم أن الغاية النهائية أو المُخْرج النهائي من (الدعوة إلى الله) عند (الحمائم) أو (الجهاد الدامي) عند (الصقور) ؛ هو تعقيم العالم من الكفر أو من الشر والمعصية ؛ ومن ثم ستكون الأرض ساحة بيضاء يرتع فيها الإيمان ويلعب دون منغصات أو بتعبير آخر (موت الشيطان) أو العودة إلى الجنة.
وهذا ليس مجرد تصور ٍ حالم لا يترتب عليه أي شئ ؛ بل هو مبدأ خطير أعتبره أخطر امراض العقل المتدين وأساس الكثير من الويلات على صعيد الفرد المنسوب للمتدينين أو على صعيد المجموعات الإسلامية الجهادية أو الدعوية .
إن أول خطر لهذا التصور هو المفاصلة الوجدانية والمعرفية مع مسألة الكفر أو الشر أو المعصية ؛ باعتبارها شيئاً ماكان يجب أن يوجد أساساً ؛ أو أنه وُجد بسبب خطأ كوني فيجب تصحيحه والعودة لحالة الإيمان التي هي الأصل ! وبالتالي العيش في حالة إنكار مستخفٍ لمبدأ إلهي أصيل وهو (تلازم وجود الكفر والإيمان) (الخير والشر) (الطهارة والعصيان) وأن هذه المتضادات تتداخل وتتفاعل ؛ تتصارع وتتهادن ؛ وأن غاية دور اهل الإيمان هو العمل على جزئية التدافع ؛ بالضبط كما ان المخالف لهم يعمل على نفس النقطة . لكن هناك نمط من شبابنا يخترع لنفسه دوراً موهوماً هو بالأساس دور خيالي لا وجود له ولم يامر الله به لا كوناً ولا شرعاً (أي لم يجعله قانوناً كونياً ولم يجعله فريضة شرعية) وهو أن يحلم أو يحاول أهل الإيمان والإسلام تطهير الأرض من المعصية والكفر ؛ فهذا لم ولن يكون .
وبالتالي فإن هذا التصور الخاطئ هو سوء فهم ساذج عن الله ومراده فالله سمح بوجود الشر وسمح بوجود الكفر ولم يرضه لعباده وهذا بالضبط مايسميه علماء العقيدة (الرضا الكوني والرضا الشرعي) لكن مع الأسف بقيت كثير من قواعد العقيدة معلبة لم تجد مفاعيل له على أرض الواقع ؛ فنرى أكثر من يستبطن تصور (موت الشيطان) هم أهل بعض الجماعات التي تنادي بتصفية العقيدة وقد تشعل الحروب وفق ذلك التصور الخاطئ .
وإن إحياء بعض المفاهيم الفقهية مثل جهاد الطلب بالمفهوم الذي يعني شن الحروب إلى مالا نهاية على دول الجوار والتوسع حتى ينتهي الأمر إلى المُخرج النهائي وهو محو الكفر من سطح الكرة الأرضية ؛ هو إحياء مصدره التشبع بذلك التصور الخاطئ الحالم ؛ وعدم الرضا الكوني عما ارتضاه الله كوناً وقدراً . وهو تجاوز خطير لدور المؤمن وحتى لدور الله .
إن التوازن القوي مع الشر هو مهمة أهل الخير ؛ ورد عدوان الكفر هو مهمة أهل الإيمان ؛ والجدارة في قانون التدافع هو أعلى مهام الفرد في محيطه أو الأمة في محيطها ؛ والتعايش الفذ مع المخالف هو عين العقل والإيمان .
ومن تمثلات هذا التصور هو حالة الكآبة والإنعزال التي تعتري بعض المتدينين حديثاً ؛ فمصدر كآبته هو وجود الفسقة والعصاة (يجب ألا يوجدون!) ..وعدم القدرة على احتمال الحياة في (عالم بعيد عن الله.).وقد يكون هذا دافعاً قويا -والله أعلم بهم- في العمليات التفجيرية التي يهرب بها الكثيرون إلى الجنة حيث لا شر ولا معاص عن حسن نية وشجاعة .
(..أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا..) من الذين آمنوا من يقول يجب أن يؤمن الناس جميعا يارب ..

تعليقات
إرسال تعليق